عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

68

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

التي ذكرناها ، ينبغي أن يكون الإنسان كل ثماني ساعات بلون آخر ، واعلم أن الحق تعالى قد خلق الليل من أجل راحة العباد ، كما قال في كلامه وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ( 10 ) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ( النبأ : 10 ، 11 ) . واعلم حقا أن الحياة كلها بالروح ، والجسد هو المكان ، والروح هي المتمكنة ، وللروح ثلاث خاصيات : كالحياة والخفة والحركة . وللجسد ثلاث خاصيات : هي الموت والسكون والثقل . وما دام الجسد والروح في حيز واحد ، فإن الروح تحفظه بخاصيتها ، وتحمله على العمل حينا وترده بخاصيتها عن الأعمال حينا آخر ، وتجره في الغفلة ، وعندما يظهر الجسد خاصيته يجثم « 1 » الموت والثقل والسكون ، ويكون ذلك مثل انهيار « 2 » بيت يسقط ، فإذا سقط البيت ، أطبق على كل من يكون فيه ، فالجسد الذي ينام يطبق على كل حواس « 3 » الإنسان بحيث لا يسمع السمع ، ولا يبصر البصر ، ولا يتذوق الذوق ، ولا يدرك اللمس ، الثقل والخفة والنعومة والخشونة ، ولا تكون حاسة النطق ناطقة ، فكل شئ يكون نائما في مكانه ، يستولى عليه ، ويكون الحفظ والفكرة خارج مكانهما ، فلا يستطيع الاستيلاء عليهما ، ألا ترى أنه حين ينام الجسد ترى الفكرة الرؤى المنوعة ، وتذكرها الحافظة ، حتى إذا ما استيقظ يقول رأيت كذا وكذا ؟ ولو كان هذان أيضا في مكانهما لكان قد استولى عليهما ، فلم تكن الفكرة تستطيع الرؤية ولا كانت الحافظة تستطيع الحفظ ، ولو كان النطق أيضا في مكانه لما كان الجسد يستطيع المضي في النوم ولو مضى في النوم وتكلم ، لما كان النوم نفسه ، ولما كانت الراحة والاستجمام ، لأن كل راحة الأحياء في النوم ، فالحق تعالى لم يخلق أي شئ بغير حكمة ولكن تكلف أن تبعد عن نفسك نوم النهار ، وإذا لم تستطع ، فيجب النوم قليلا ، لأنه ليس من الحكمة تحويل النهار إلى ليل ، ولكن رسم المحتشمين والمنعمين هو أن يستريحوا في الصيف ظهرا وقت القيلولة . أما طريق التنعم فهو أن يستجموا ساعة حسب العادة ، ويخلون بشخص يطيب وقتهم معه إلى أن تنحدر الشمس وينكسر الحر ، وعندئذ يخرجون ، وفي الجملة يجب الاجتهاد في أن تقضى أكثر العمر يقظا ، لأن أمامك نوم طويل ، ولكن في كل وقت تريد أن تنام ، ليلا أو نهارا ، فلا ينبغي أن تنام وحدك ، بل يجب النوم مع شخص ينعش روحك ، لأن النائم والميت كلاهما في القياس سواء ، وليس لكليهما خبر عن العالم ، ولكن أحدهما نائم حيا والآخر نائم ميتا . فيجب الآن أن يكون هناك فرق بين هذين النائمين ، إذ يتحتم على ذلك الفرد أن يكون وحيدا بعذر العجز ، وهذا النائم الذي لا اضطرار له ، لم ينام هكذا كذاك العاجر المضطر « 4 » ؟ فيجب أن يكون مؤنس فراش هذه النفس منعشا للروح ، حيث لا مؤنس في ذلك الفراش ، ليتميز نوم الأحياء من نوم الأموات ، ولكن

--> ( 1 ) ت ح : ينام . ( 2 ) ت ح : نوم . ( 3 ) ت ح : أرواح . ( 4 ) في الأصل ( باضطرار ) .